غسان البلبيسي… رحلة مخرج صنع ذاكرة المكان والصورة
في عالم الإخراج التلفزيوني والسينمائي، لا تُقاس القيمة بعدد الأعمال فقط، بل بعمق الأثر الذي تتركه هذه الأعمال في ذاكرة المشاهد. ومن بين الأسماء العربية التي نجحت في ترسيخ بصمتها الإبداعية على مدى عقود، يبرز اسم المخرج غسان البلبيسي كأحد المخرجين الذين تعاملوا مع الصورة بوصفها وثيقة ثقافية وذاكرة إنسانية قبل أن تكون مجرد إطار بصري.
بدايات ومسيرة مهنية طويلة
امتدت المسيرة المهنية لغسان البلبيسي من أوائل التسعينيات وحتى عام 2025، وهي فترة شهدت تحولات كبيرة في الإعلام العربي، كان البلبيسي حاضرًا فيها كمخرج يمتلك حسًا بصريًا عاليًا وقدرة واضحة على المزج بين التوثيق والبعد الإنساني. عمل في التلفزيون الأردني وكان من المخرجين المبدعين في قسم ترويج البرامج، قبل أن تتوسع تجربته عربيًا عبر التعاون مع قنوات ومنصات إعلامية كبرى.
«ذاكرة مكان»… حين تتحول الصورة إلى تاريخ
يُعد برنامج «ذاكرة مكان» من أبرز الأعمال التي أخرجها غسان البلبيسي، وهو برنامج وثائقي عُرض على قناة دبي الفضائية بين عامي 1993 و1996، واهتم بالمواقع الأثرية والتراثية في الوطن العربي. لم يكن البرنامج مجرد عرض للمكان، بل قراءة بصرية للتاريخ، حيث استطاع البلبيسي أن يجعل من الحجر والفضاء ذاكرة ناطقة تحكي قصة الإنسان والمكان معًا.
كما أخرج برنامج «صورة عن قرب» لصالح قناة دبي الفضائية، الذي ركز على التفاصيل الإنسانية واللقطات القريبة التي تكشف عمق الشخصية والحدث، وهو أسلوب لطالما ميّز أعماله.
حضور وثائقي عربي ودولي
لم تقتصر تجربة غسان البلبيسي على القنوات المحلية، بل امتدت إلى قنوات عربية ودولية مرموقة. فقد أخرج فيلمين وثائقيين عُرضا على قناة الجزيرة هما «شباب حول الأقصى» و**«الجدار»**، حيث قدّم من خلالهما معالجة بصرية حساسة لقضايا إنسانية وسياسية معقدة.
كما يُعد من المخرجين القلائل الذين تعاونوا مع قناة ناشيونال جيوغرافيك في تصوير فيلم وثائقي تناول هجرة بعض العائلات من الدول العربية إلى الولايات المتحدة، وهو عمل يعكس ثقة المؤسسات العالمية بخبرته وقدرته على تقديم القصة العربية بلغة بصرية عالمية.
تنوع في التجربة والأسلوب
إلى جانب الأعمال الوثائقية، أخرج غسان البلبيسي سلسلة من الأعمال الدرامية التعليمية لتعليم اللغة الإنجليزية لصالح قناة ART، ما يدل على تنوع أدواته الإخراجية وقدرته على العمل في أنماط مختلفة دون أن يفقد هويته الفنية.
كما أخرج عددًا من الأفلام الوثائقية لصالح قناة المملكة، ويُعد مخرج برنامج «على درب المؤسسين»، الذي يُسلط الضوء على محطات مفصلية في تاريخ الدولة الأردنية، بأسلوب يجمع بين السرد التاريخي والمعالجة البصرية الحديثة.
بصمة خاصة في الإخراج
ما يميز غسان البلبيسي ليس فقط تنوع أعماله، بل نظرته العميقة للصورة بوصفها وسيلة لفهم الإنسان والمكان والزمان. في أعماله، لا تأتي اللقطة مصادفة، ولا يُستخدم الإيقاع البصري بلا هدف، بل يخدم دائمًا الفكرة والرسالة، وهو ما جعل أعماله قادرة على الصمود أمام الزمن.
ختامًا
يمثل غسان البلبيسي نموذجًا للمخرج العربي الذي آمن بأن الإخراج مسؤولية ثقافية قبل أن يكون مهنة، وأن توثيق الذاكرة وحكاية الإنسان هما جوهر الصورة الحقيقية. وبين الوثائقي، والدرامي، والترويجي، ترك البلبيسي أرشيفًا بصريًا غنيًا يشكل جزءًا مهمًا من ذاكرة الإعلام العربي.
