سينما المؤلف

سينما المؤلف
المؤلف Ai Magic Tools

 

سينما المؤلف

سينما المؤلف: المفهوم والميزات وتجلياتها في السينما العالمية والعربية

تُعدّ سينما المؤلف من أبرز الاتجاهات السينمائية التي أثارت جدلًا نقديًا واسعًا، نظرًا لتعدد تعريفاتها وتباين مقارباتها. ويمكن القول، بشكل عام، إنّها سينما تقوم على فكرة أنّ الفيلم ليس مجرد منتج ترفيهي أو عمل جماعي محكوم باعتبارات السوق، بل هو مرآة تعكس أفكار المخرج وهواجسه، ونظرته إلى العالم والقضايا التي تشغله. فالفيلم في هذا السياق يصبح وسيلة تعبير ذاتية، يحمل بصمة فنية وفكرية واضحة لمخرجه.

مفهوم سينما المؤلف

تنظر سينما المؤلف إلى المخرج بوصفه الفنان الحقيقي والمؤلف الفعلي للفيلم، لا مجرد مهني تقني ينسّق حركة الكاميرا ويقود الممثلين. فالمخرج هنا يتجاوز دوره التقليدي ليصبح صاحب الرؤية، وغالبًا ما يشارك في كتابة السيناريو أو يتولاه كاملًا، ليصبّ أفكاره ومواقفه في قالب سينمائي خاص.
وتنادي هذه السينما بأن يستخدم المخرج الكاميرا كما يستخدم الروائي قلمه، للتعبير عن ذاته، وعن قلقه الفكري والجمالي، مع السعي إلى تقليص دور السيناريو الجاهز الذي يُكتب بمعزل عن رؤية المخرج.

سينما المؤلف في مواجهة السينما التجارية

تُعدّ سينما المؤلف بديلًا للسينما التجارية، خاصة كما تتجلى في النموذج الهوليوودي، حيث تُصنع الأفلام غالبًا لإثارة مشاعر الجمهور وتحقيق الأرباح. أما سينما المؤلف، فتركّز على مخاطبة عقل المتفرج وذائقته الجمالية، وتسعى إلى إضافة تجربة فكرية أو جمالية جديدة، حتى وإن جاء ذلك على حساب النجاح الجماهيري.

ميزات سينما المؤلف

من أبرز السمات التي تميز سينما المؤلف:

  1. البصمة الشخصية للمخرج
    حيث تتكرر في أفلامه نفس القضايا، والهواجس الفكرية، والأساليب البصرية، مما يجعل التعرف على أفلامه ممكنًا منذ المشاهدة الأولى.

  2. التحرر من منطق الربح
    لا تجعل سينما المؤلف الربح المادي أولوية، مما يفتح المجال للتجريب والمجازفة الفنية.

  3. النزوع إلى التجريب والابتكار
    سواء في السرد، أو المونتاج، أو حركة الكاميرا، أو بناء الشخصيات، وهو ما ساهم في إثراء اللغة السينمائية وظهور تيارات جديدة.

  4. حرية المخرج الإبداعية
    يصبح المخرج حرًا في توظيف الكاميرا وابتكار أساليب جديدة للتعبير، بعيدًا عن قيود المنتجين والسوق.

أمثلة من السينما العالمية

برز مفهوم سينما المؤلف في أعمال عدد من كبار المخرجين العالميين، من بينهم:

  • ألفريد هيتشكوك: الذي حملت أفلامه بصمة واضحة في التشويق النفسي والهوس، كما في Vertigo وPsycho.

  • إنغمار برغمان: الذي انشغل بالأسئلة الوجودية والدينية في أفلام مثل الختم السابع.

  • أندريه تاركوفسكي: صاحب السينما التأملية الروحية واللقطات الطويلة، كما في Stalker.

  • فرنسوا تروفو: أحد رواد الموجة الفرنسية الجديدة، الذي جسّد ذاته وطفولته في The 400 Blows.

سينما المؤلف في السينما المصرية والعربية

عرفت السينما المصرية سينما المؤلف دون أن تطلق عليها هذا المصطلح صراحة، ربما لبساطة بنية الإنتاج مقارنة بهوليوود، حيث كان من الشائع أن يجمع المخرج بين الإخراج وكتابة السيناريو. ومع ذلك، ظلت سينما المؤلف حضورًا محدودًا، نظرًا لطابعها النخبوي وابتعادها عن أفق انتظار الجمهور التجاري.

يوسف شاهين

يُعدّ يوسف شاهين الاسم الأبرز المرتبط بمفهوم سينما المؤلف في السينما العربية. ورغم أنه لم يكتب جميع سيناريوهات أفلامه، فإنّ أعماله تحمل رؤية ذاتية وفلسفية واضحة، تعكس شخصيته المثقفة وهمومه الفكرية.
يتجلى ذلك في أفلام مثل:

  • عودة الابن الضال

  • إسكندرية ليه؟

  • حدوتة مصرية

  • إسكندرية كمان وكمان

حيث اعتمد شاهين على حركة كاميرا سريعة، وزوايا تصوير غير تقليدية، ومونتاج حاد، وحوار مكثف. وفي مرحلته الأخيرة، قدّم أفلامًا أكثر ذاتية وتجريبًا، غير مكترث كثيرًا بمدى تفاعل الجمهور، معتبرًا أن حرية الفنان وحقه في التجديد لا يجب أن تُقيد بذائقة متلقٍ غير مستعد للتطور.

رأفت الميهي

يمثل رأفت الميهي نموذجًا خاصًا في سينما المؤلف المصرية، قادمًا من عالم كتابة السيناريو. وقد عبّر عن رغبته في الإخراج بوصفها حاجة داخلية لامتلاك العمل كاملًا.
قدّم الميهي سينما تقوم على الفانتازيا الساخرة، كما في:

  • السادة الرجال

  • سمك لبن تمر هندي

  • سيداتي آنساتي

وتتميز أفلامه بالتوازن بين عقلانية ناقدة للواقع، وعاطفية إنسانية تجعل شخصياته قريبة من المتفرج، رغم غرابتها أو خروجها عن المألوف.

داود عبد السيد

أما داود عبد السيد، فيُعدّ من أنقى نماذج سينما المؤلف في مصر، حيث يكتب سيناريوهات أفلامه بنفسه، إيمانًا منه بضرورة التفاهم الكامل بين الكاتب والمخرج.
تتسم سينماه بطابع شخصي عميق، لا يقوم على حبكة تقليدية بقدر ما يعتمد على التكامل بين الصورة والفكرة، متأثرًا بتجارب أنطونيوني وفيسكونتي.
يرى عبد السيد أن السينما قبل أن تكون ترفيهًا، هي وسيلة تعبير شخصية، وأن ذاتية المخرج يجب أن تكون حاضرة بوضوح في العمل السينمائي.

خاتمة

في الختام، تمثل سينما المؤلف توجهًا فنيًا يجعل من السينما لغة للتعبير الذاتي والفكري، ويمنح المخرج مكانة الفنان الحقيقي، لا مجرد منفذ تقني. ورغم محدودية انتشارها جماهيريًا، سواء في السينما العالمية أو العربية، فإنها أسهمت بشكل كبير في تطوير اللغة السينمائية، وفتحت آفاقًا جديدة للتجريب والإبداع، وجعلت من الفيلم عملًا ثقافيًا وفنيًا قائمًا بذاته.